حكاية هذا الموقع... وواجب التحية

لهذا الموقع الإلكتروني بداية ورقية تعود إلى العام 1984. ففي بداية صيف هذا العام وتحديداً شهر يونيو/حزيران صدرت في لندن مجلة جديدة في عالم النشر العربي بتسمية «الرشاقة» وبتحديد لها هو أنها تعنى ﺑ «الريجيم» والصحة والجمال وتلك حالات تعاني منها شرائح عريضة في الدول العربية دون إستثناء، حيث أن البدانة باتت علة لا تقتصر على الكبار وإنما بتنا نرى الفتية من بنات وصِبية منتفخي البطن متورمي الوجه، وهذا عائد إلى فقدان ثقافة الغذاء، فضلاً عن أن البدانة وما يرافقها من عدم إهتمام المرأة بنفسها شكلاً وألبسة تسببت في خلل في حياة الأُسرة وتباعداً بين الرجل وزوجته.

ولهذه الحالة تداعيات طالما هزت الإستقرار العائلي. هذا فضلاً عن أن البدانة وعدم الترشيد في حالات صحية وصلت في بعض الأحيان إلى أن الزيادة التي تتجاوز المعدل بكثير في نسبة السكر أو الملح أو الدهون في الجسم إنتهت عند كثيرين إلى حالات صحية دقيقة.

هنا رأت الكاتبة إمتثال جويدي التي إستقر المقام بها في لندن مع زوجها الصحافي والكاتب ثم الناشر فؤاد مطر وإبنيهما وإبنتهما، بعدما غادروا إضطراراً عام 1976 لبنان المتحارب، أن تبعث الحياة في ما كانت في صدد إنجازه في لبنان قبْل أن تندلع الحرب، وهو تأليف سلسلة من الكتيِّبات التي تعالج موضوع البدانة وتأثيرها البالغ الضرر على العائلة بكامل أفرادها، وكذلك في موضوع أهمية جمال محيا المرأة وملْبسها إلى جانب أن تكون مائدتها تهتم بما يغذي ضمْن قواعد التغذية وليس حشواً للمعدة، وكأنما هي عدو يجب على المرأة التصدي له بالشراهة وكل أنواع الأطعمة والحلويات التي تفوق قدرة طاقة المعدة على التحمل.

ولأن كاتِبتنا هنا ذات حضور لها في المشهد الصحافي والبحثي والروائي وسبق أن رفدت خلال عملها صحافية المكتبة المصرية بأول دراسة ميدانية بحثية عن المخدرات وبعنوان «عالم المخدرات» كانت مرجعاً لمنظمات عربية تعتى بمكافحة المخدرات التي بدأت كما البدانة وسوء التغذية تستشري في العالم العربي... لأن الكاتبة الباحثة وكذلك الروائية التي أخذت روايتها «شجرة الصبير» من الجدل والعتب الثوري الفلسطيني الكثير، شغوفة بطَرْق الحالات الإستثنائية السلبية في المجتمع، فإنها وقد إستقر بها المقام في لندن ورأت مدى كثرة الكتب التي تعالج الموضوع الذي في بالها، والمجلات المتخصصة في الغذاء والبدانة والجمال تتصدر أرفف المكتبات، أن تعزم ثم تتوكل وتبدأ التحضير للتجربة التي طالما راودت خاطرها. في البداية كان لا بد من الإجراءات المتبعة في بريطانيا فكان تأسيس «شركة المنشورات المتخصصة» ومعها التعاون مع مجلة بريطانية ذات حضور لافت في مجتمع العائلة البريطانية والعائلات الأجنبية عموماً التي تعيش في بريطانيا. وهذه المجلة المتخصصة إسمها «سليمنغ ماغازين» SLIMMING MAGAZINE .

بعد التأسيس بدأت التخطيط لما ستكون عليه المجلة، وتم بالتعاون مع الصحافي المهني المقتدر والمبتكر أنطوان شكرالله حيدر مديراً للتحرير إلى جانب بعض الإخصائيين والصحافيين إنطلاق العدد الأول من مجلة «الرشاقة» بتحديد صفة لها هي «أول مجلة تعني ﺑ «الريجيم» والصحة والجمال».

كان الإستقبال العائلي للعدد الأول في الدول العربية مشجِّعاً ومن جانب جيل الآباء والأمهات وجيل الشباب والصبايا. وبدا هؤلاء كما لو أنهم في حالة إنتظار طال أمده لمطبوعة يفيدهم محتواها لا أن تكون المطبوعة التي يطالعونها بغرض التسلية وتمضية أوقات الفراغ.

وفي تعريفها لمجلتها التي أخذت مكانها ومكانتها إلى جانب مجلات وصحف عربية تصدر في لندن، كتبت إمتثال جويدي في إفتتاحية العدد الأول الآتي: «الرشاقة» فكرة جالت في خاطري في بيروت أواخر العام 1974 وبدأتُ بتنفيذها ككتاب. لكن الأقدار شاءت أن تعصف الحرب بلبنان الحبيب، فتميت فكرة الكتاب، وتحيل كلماته الهادئة الى أنَّات، وصرخات عذاب... وتقضي على الهدف والفكرة معاً. إذ ماذا ينفع الحديث عن الصحة، والرشاقة، في جو يعمه الدمار، والخراب والدم والدموع، ويلفه الضياع في جحيم الموت الذي إلتهم الوطن الصغير مدينة، مدينة، وقرية، قرية، وضاحية، ضاحية...

وشاءت الأقدار أيضاً أن أرحل مهاجرة مع اللامنتمين إلاَّ للوطن، وكانت باريس المحطة الأُولى لهجرتي الثانية، والوعاء البارد، الذي ضمَّني ومأساتي.

بالنسبة إليَّ كانت باريس تُمثِّل الصقيع، تُجسِّد الكارثة، تُفجِّر الأحزان في داخلي، وتُكرِّس الرفض لكل ماهو حولي. بإختصار، كرهت باريس، وإعتبرتُها مسؤولة عما حدث لي وللوطن، ولذا فقد رفضْتُها كوطن بديل...

قاومتُ كثيراً، ولم يكن هناك من حل لمشكلتي سوى التحضير لهجرة جديدة. لكن على الرغم من تلال الهموم تلك، لم يتوقف تفكيري عن موضوع «الرشاقة»، كذلك لم يتوقف إعدادي له. ولعله كان المخفِّف الوحيد لضيقي، والملاذ الوحيد لي عند هروبي من سياط مشاعري القومية والوطنية.

وشاءت الأقدار أيضاً وأيضاً أن تكون لندن، مقر الهجرة الأقل حدة وتحدياً، فحملتُ إليها أمتعتي، وفكرتي، ولم يشغلني شيء عن الإعداد، والإستعداد. وفجأة، ومن دون أن أدري رأيتُ «النبتة البيروتية» قد بدأت تشق التربة البريطانية وتُورق.. ربما لأنها «بيروتية».. ربما لأنها لبنانية، واللبناني ينجح أينما إستقر به المقام!

وبما إنني لا أؤمن بالحظ، والنصيب، وإنما بالجد، والجهد، والمثابرة، فإن أملي بنجاح مجلة «الرشاقة» كبير لأسباب كثيرة، أهمها، إنها ليست بدعة أن يكون توجُّهنا برسالتنا هذه إلى كل مواطن ومواطنة، نلفت النظر ونشد الإنتباه نحو الصحة، التي أهم علاماتها «الرشاقة» والعكس بالعكس...

إن رسالتنا هذه، ليست لجمال الجسد، وكمال القوام فحسب، لأنها تحمل بُعداً أكثر من ذلك بكثير. فمن خلال فتْح ملف الرشاقة والصحة، نجد أن الهدف من ذلك تبسيط الحياة، وتكييفها بالشكل الطبيعي، وأن القناعة يجب أن تبدأ بالدرس إذا ما إعتُمد كقاعدة للحياة، ومنها تنظيم المعدة، وإعطاء الجسم حاجته.. وحاجته فقط.

إن مجلة «الرشاقة.. صحة وجمال»، مجلة تثقيفية، ولن تكون مجلة ترفيه، وتسلية فقط... في كل صفحة منها سوف نجد شيئاً جديداً نتعلمه، وإذا ما كنا نعرفه فلن يضيرنا التأكد من أننا نمارس معرفتنا به الممارسة الصحيحة.

.. وهي مجلة للمعرفة، تغوص في كل أمر يتعلق بالصحة من حبة السكَّر إلى رشة الملح، إلى لذعة الفلفل الأحمر والأخضر.

تحدَّثْنا عن الأهداف، ولم نُشِر إلى الدوافع وهي كثيرة، ولعل أهمها المباريات التي تجري في بيوتنا حول مَن يقدِّم إلى ضيوفه كميات أكثر من الطعام، وبالتالي، مَن يملأ سلة مهملاته أكثر ببقايا الموائد وفائضاتها، يرتبط بهذا الدافع، الإسراف تحت ستار الكرم، وينتج عنه ما هبّ ودبّ من أمراض معدية ومعوية، ناهيك عن طريقة تعبيرنا عن حبنا لأطفالنا بحشوهم بالطعام كما تُحشى ثمرة الكوسى باللحم والأرز.

ويبقى ...

إن مجلة «الرشاقة.. صحة وجمال»، سوف تنفي الكذبة الكبيرة التي تصر على أن الأغنياء والأغنياء فقط، هم الذين يتمتعون بجسم سليم، لأنهم بإمكانياتهم يتناولون الغذاء السليم.

ويبقى أيضاً.... إن لكل شيء أوان، فعندما تتلبد الغيوم ينزل المطر، كذلك ينبت زرْع ويموت زرْع، كذلك صدرت «الرشاقة.. صحة وجمال»، عندما حان وقت صدورها وعندما شاءت لها الأقدار أن تصدر.

أما مسألة الإستمرار، والنجاح، فإنها تتوقف على أمريْن إثنيْن: مِن جانبنا أقصى الجهد ومِن القارىء السند.

تلك حكاية مجلة «الرشاقة» الورقية التي صدرت شهرياً من لندن بدءاً بالعدد الأول (حزيران/يونيو 1984) وإستمر الصدور أربع سنوات لتتوقف مع العدد 38 إضطراراً لدواعي التكلفة الورقية وإنتصار الحاجة المالية على الأحلام. وهذه حكاية لا داعي للإنشغال بها كي لا تأخذ من جهود إعادة نشْر مجلة «الرشاقة» من خلال الموقع الإلكتروني يضم مادتها الثرية والمفيدة، وإضافة المزيد من المواد التي تواكب الغرض من تعميم ثقافة الغذاء والجمال والرشاقة. والله المعين أولاً وآخراً.

ويبقى أن هذا الموقع الإلكتروني ﻟ «الرشاقة الورقية» ومن قَبله هذا العطاء البحثي والروائي للكاتبة إمتثال جويدي الذي أخذ رونقه ولم يأخذ مداه الكامل لجهة المزيد من العطاء، هو تحية من جانب العائلة (زوجها الكاتب الصحافي والمؤلف فؤاد مطر وأبنائها عامر، غسان، علياء وأحفادها سارة، زيد، هدى، غسان جونيور، ساندرا، فؤاد، كريم) إلى الأم والجدة التي كان عطاؤها من الحنان والمحبة والتضحية رديفاً لعطائها البحثي والروائي والنشري المبتكَر (مجلة الرشاقة) ولسنوات من النضال الوطني قريبة من الرئيس جمال عبدالناصر في دمشق بعد القاهرة ومن الزعيم الدرزي كمال جنبلاط والزعيم البيروتي السُني صائب سلام من أجل وطنها فلسطين الذي أضاعوه وأي وطن أضاعوا ومن أجْل وطنها الثاني لبنان وطن زوجها وأبنائها وأحفادها وذكرياتها البيروتية المغروسة في القلب والوجدان إلى جانب مثيلتها الذكريات اليافاوية حيث ولدت وذكرياتها القاهرية الناصرية ثم ذكرياتها اللندنية التي رممت أثقالاً من الأحزان في النفس. والتحية هذه بمثابة رد جمائل. حفظها الله لعائلتها ناشرة هذا الموقع.